أحمد مصطفى المراغي

19

تفسير المراغي

وإرادته التفضل عليهم إن كانت لأجل أن يستبين فضله حتى ينقادوا له فلا ضير في ذلك بل هو واجب ، وإن أرادوا أنه يبغى التجبر عليهم فالأنبياء منزهون عن ذلك ، وقولهم : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، اعتناق للتقليد وهو لا يصلح حجة تدفع بها حجج المعارضين الواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار ، وقولهم : به جنة كذب صراح . لأنهم يعلمون ذكنه ، وعظيم فطنته ، وما أوتيه من أصالة الرأي ، وثاقب الفكر . ولما استبان لنوح إصرارهم على ضلالهم وتماديهم في غيّهم ويأسه من إيمانهم وأوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن - طلب إلى ربه أن ينصره عليهم : ( قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ) أي قال رب انصرني بإنجاز ما أوعدتهم به من العذاب بقولي « إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » * . ونحو الآية قوله : « فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ » وقوله : « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » . وقد أجاب اللّه دعاءه فقال : ( فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ) أي فقلنا حين استنصرنا على كفرة قومه : اصنع السفينة بحفظنا ورعايتنا لك ، من التعدي عليك ، وتعليمنا إياك كيفية صنعها . ( فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ) أي فإذا جاء قضاؤنا من قومك بعذابهم وهلاكهم ، ونبع الماء من وجه الأرض - فأدخل فيها من كل طائفة من الحيوان فردين مزدوجين كناقة وجمل ، وحصان ورمكة ، وأدخل ولدك ونساءهم إلا من سبق عليه القول منا بأنه هالك فيمن يهلك ، فلا تحمله معك وهو كنعان وأمه . ( وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) أي ولا تسألني أن أنجّى الذين كفروا باللّه من الغرق . فإن كلمتي قد حقت عليهم أجمعين .